الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

180

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تعالى كما قال مشركو قريش إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ * [ الأنعام : 25 ] والإشارة إلى ما يدعوهم إليه . وأما على قراءة الفريق الثاني فالخلق بفتح الخاء وسكون اللام مصدر هو الإنشاء والتكوين ، والخلق أيضا مصدر خلق ، إذا كذب في خبره ، ومنه قوله تعالى : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً [ العنكبوت : 17 ] . وتقول العرب : حدثنا فلان بأحاديث الخلق وهي الخرافات المفتعلة ، ويقال له : اختلاق بصيغة الافتعال الدالة على التكلف والاختراع ، قال تعالى : إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ [ ص : 7 ] وذلك أن الكاذب يخلق خبرا لم يقع . فيجوز أن يكون المعنى أن ما تزعمه من الرسالة عن اللّه كذب وما تخبرنا من البعث اختلاق ، فالإشارة إلى ما جاء به صالح . ويجوز أن يكون المعنى أنّ حياتنا كحياة الأولين نحيا ثم نموت ، فالكلام على التشبيه البليغ وهو كناية عن التكذيب بالبعث الذي حذرهم جزاءه في قوله : إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [ الشعراء : 135 ] يقولون : كما مات الأولون ولم يبعث أحد منهم قط فكذلك نحيا نحن ثم نموت ولا نبعث . وهذا كقول المشركين ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ الجاثية : 25 ] فالإشارة في قوله : إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ إلى الخلق الذي هم عليه كما دل عليه المستثنى . فهذه أربعة معان واحد منها مدح ، واثنان ذم ، وواحد ادعاء . وجملة : وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ على المعاني الأول والثاني والثالث عطف على جملة إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ عطف مغاير . وعلى المعنى الرابع عطف تفسير لقولهم إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ تصريحا بعد الكناية . والقصر قصر إضافي على المعاني كلها . ولا شك أن قوم صالح نطقوا بلغتهم جملا كثيرة تنحل إلى هذه المعاني فجمعها القرآن في قوله : إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ باحتمال اسم الإشارة واختلاف النطق بكلمة خلق فللّه إيجازه وإعجازه . والفاء في فَكَذَّبُوهُ فصيحة ، أي فتبيّن أنهم بقولهم : سواء علينا ذلك أوعظت إلخ قد كذبوه فأهلكناهم . وقوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً إلى آخره هو مثل نظيره في قصة نوح .